ابراهيم بن عمر البقاعي
370
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
تتوقفون عن الإيمان ببعض الأنبياء تثبتا لتعلموا أنه فعل به ما فعل بموسى عليه الصلاة والسّلام من الكرامة ، لم تؤمنوا بإبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط وهارون وغيرهم ، فإنه خص بالتكليم دونهم ، فلم جعلتم الإتيان بمثل ما أتى به موسى عليه الصلاة والسّلام شرطا في الإيمان ببعض الأنبياء دون بعض ؟ وإن جعلتم الشرط الإتيان بالكتاب جملة ومن السماء مدعين أنه كان له ذلك دون التكليم وغيره مما جعل له ، كان ذلك - على تقدير التسليم تنزلا - تحكما وترجيحا من غير مرجح ، على أن التوراة أيضا - كما تقدم بيانه - كهذا القرآن في إنزالها منجمة على حسب الوقائع على ما أشار إليه قوله ( تكليما ) ولم يكتب منها جملة إلا اللوحان اللذان وضعا في تابوت الشهادة كما أنزل بعض سور القرآن جملة كسورة الأنعام ، وليس في نزول موسى عليه الصلاة والسّلام بهما من جبل الطور مكتوبين دليل على نزولهما من السماء ، ويدل على ذلك كثير من نصوصها أصرحها أنه تعالى حرم عليهم العمل في السبت عقب إخراجهم من البحر عند إنزال المن - كما بين في السفر الثاني منها - ولم يبين كيف يفعل بالعاصي فيه إلا بعد ذلك بدهر ، بدليل ما في السفر الرابع منها في قصة التيه : ومكث بنو إسرائيل في البرية ووجدوا رجلا يحتطب حطبا يوم السبت ، فقدمه الذين وجدوه يحتطب إلى موسى وهارون وإلى الجماعة كلها ، وحبسوه في السجن ، لأنه لم يكن أوحى إلى موسى كيف يصنع به ؟ فقال الرب لموسى : يقتل هذا الرجل ، يرجم بالحجارة خارجا من العسكر ، ورجمه الجماعة كلها بالحجارة ومات - كما أمر الرب موسى ؛ ومنها أنه أمرهم - كما بين في السفر الثاني - بنصب قبة الزمان التي كانوا يصلون إليها ، ويسمع موسى الكلام منها ، ثم بعد ذلك بمدة أمرهم - كما بين في السفر الرابع - بالزيادة فيها ؛ ومنها أنه كتب له الألواح في الطور : اللوحين اللذين كسرهما غضبا من اتخاذهم العجل ، ثم لوحين عوضا عنهما ، ثم لما نصبت قبة الزمان صار سبحانه وتعالى يكلمه منها ، وغالب أحكامهم إنما شرعت بالكلام الذي كان في قبة الزمان - كما هو في غاية الوضوح في التوراة ؛ ومنها ما قال في أواخر السفر الخامس وهو آخرها : فلما أكمل موسى كتاب آيات هذه التوراة في السفر وفرغ منها ، أمر موسى الأحبار الذين يحملون تابوت عهد الرب وقال لهم : خذوا سفر هذه السنن واجعلوه في جوف تابوت عهد اللّه ربكم في جانب من جوانبه ، ليكون هناك شاهدا ، لأني قد عرفت جفاءكم وقساوة قلوبكم وما تصيرون إليه ، وكيف لا يكون ذلك وقد أغضبتم الرب وأنا حي معكم ؟ فمن بعد موتي أحرى أن تفعلوا ذلك ، فليجتمع إليّ أشياخ أسباطكم وكتّابكم فأتلو عليهم هذه الأقوال ، ولأشهد عليهم السماء والأرض ، لأنكم مفسدون من بعد وفاتي ، تحيدون عن الطريق